ابن الجوزي

271

صفة الصفوة

وعن أحمد بن عبد الحميد السامري قال : سمعت الجنيد بن محمد يقول معاشر الفقراء إنما عرفتم باللّه وتكرمون له ، فإذا خلوتم به فانظروا كيف تكونون معه ؟ . وعن أبي الطيب بن الفرحان قال : سمعت الجنيد يقول : علامة إعراض اللّه عن العبد أن يشغله بما لا يعنيه . وعن حامد بن إبراهيم قال : قال الجنيد بن محمد : الطريق إلى اللّه مسدود على خلق اللّه عزّ وجل ، إلا على المقتفين آثار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، والتابعين لسنّته ، كما قال اللّه عزّ وجل لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ سورة الأحزاب آية : 21 ] . وعن خير قال : كنت يوما جالسا في بيتي فخطر لي خاطر أن أبا القاسم جنيدا بالباب أخرج إليه فنفيت ذلك عن قلبي وقلت : وسوسة . فوقع لي خاطر ثان يقتضي منّي الخروج : إن جنيدا على الباب فأخرج إليه : فنفيت ذلك عن سرّي فوقع لي خاطر ثالث فعلمت أنه حق وليس بوسوسة . ففتحت الباب فإذا [ أنا ] بالجنيد قائم ، فسلم عليّ وقال : يا خير ألا خرجت مع الخاطر الأول ؟ . وعن أبي محمد الحريري قال : سمعت الجنيد يقول : لقد مشى رجال باليقين على الماء ، ومات بالعطش أفضل منهم يقينا . وعن أبي عمرو بن علوان قال : خرجت يوما إلى سوق الرّحبة في حاجة فرأيت جنازة فتبعتها لأصلّي عليها . ووقفت حتى يدفن الميت في جملة الناس فوقعت عيني على امرأة مسفرة من غير تعمّد ، فألححت بالنظر واسترجعت واستغفرت اللّه تعالى ، وعدت إلى منزلي فقالت لي عجوز : يا سيدي ما لي أرى وجهك أسود فأخذت المرآة فنظرت فإذا وجهي أسود . فرجعت إلى سرّي انظر من أين دهيت ؟ فذكرت النظرة ، فانفردت في موضع أستغفر اللّه وأسأله الإقالة أربعين يوما فخطر في قلبي أن زر شيخك الجنيد . فانحدرت إلى بغداد فلما جئت الحجرة التي هو فيها طرقت الباب فقال لي : أدخل يا أبا عمرو ، تذنب بالرحبة ونستغفر لك ببغداد .